No items found.
June 2026
18

مشعان البراق عضو المكتب السياسي للحركة التقدمية الكويتية: بعد توقف الحرب لابد من تفكير استراتيجي جديد يتواءم مع المتغيرات الكبرى في العالم والمنطقة والإقليم ويحقق مصالحنا الوطنية والقومية

تم النشر بواسطة المكتب الإعلامي
شارك هذا المنشور

على الرغم من أنّ “مذكرة التفاهم” بين الولايات المتحدة وإيران، هي مجرد اتفاق مبدئي لوقف الحرب والانتقال إلى مفاوضات للتوصل إلى تسوية سياسية، إلا أنّ توقف الحرب بالشكل الذي انتهت إليه و”مذكرة التفاهم” تكتسبان دلالات أعمق وتتسعان لتشملا أبعاداً أوسع تتجاوز الاتفاق المبدئي على وقف الحرب والتفاوض.

فهما ترسمان، أولاً، ملامح نظام دولي جديد آخذ في التشكل على أنقاض النظام الدولي الأحادي القطب الذي يعيش أزمة عميقة على مستوى بنيته الداخلية وقيمه وقوانينه ومؤسساته، كما يعاني من اختلالات متزايدة في موازين القوى والعلاقات الدولية، بما في ذلك مع أقرب حلفاء المركز التاريخيين في أوروبا.

كما ترسمان، ثانياً، ملامح شرق أوسط مختلف، فرضت فيه إيران نفسها كقوة إقليمية ذات تأثير مقرر، رغم ما تعرضت له من ضربات مؤلمة وخسائر جسيمة وما تواجهه من تحديات، في مواجهة المشروع الأميركي – الصهيوني لإعادة تشكيل المنطقة وفق ما سُمّي بـ”الشرق الأوسط الجديد”، وهو المشروع الذي انحسر وتقلصت آفاقه مع تراجع قدرة أطرافه على فرض وقائعه بالقوة.

وتعكسان، ثالثاً، حجم التغيير الجيواستراتيجي الذي استجد في الإقليم الخليجي، والذي سيقود بالضرورة إلى تحولات لا تقتصر على موازين القوى فحسب، وإنما تمتد إلى طبيعة العلاقات والترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية على مستوى المنطقة، بصورة تختلف عما كان قائماً قبل الحرب.

إنّ الكويت وبقية دول الخليج العربية معنية أكثر من غيرها بالانتباه إلى هذه التحولات والمتغيرات، وفهمها والتعامل معها بجدية ومسؤولية، وما يترتب على ذلك من ضرورة إعادة صياغة الاستراتيجيات والسياسات وفق مصالحنا الوطنية والقومية، وعلى ضوء الوقائع الجديدة التي أفرزتها الحرب.

وهنا، فإننا مع رفضنا وإدانتنا للاعتداءات والضربات التي تعرضت لها الكويت وعدد من بلدان الخليج خلال الحرب، فإننا نشدد مجدداً على أهمية عدم الزج ببلداننا لتكون ساحات للصراع أو أطرافاً مباشرة فيه. وكما نرفض تحويل الخليج إلى ميدان حرب لتصفية حسابات الآخرين، فإننا نرفض أيضاً تحميل شعوب ودول الخليج الأعباء الاقتصادية والمالية والبيئية والأمنية للحرب، كما تلمح بعض التصريحات والتسريبات الإعلامية. فالدول التي أشعلت هذه الحرب وتسببت بتداعياتها هي التي يجب أن تتحمل مسؤولية التعويض عن الأضرار والخسائر التي لحقت بدول المنطقة واقتصاداتها وبناها التحتية وأمنها واستقرارها، لا أن تُفرض هذه الأكلاف على شعوب الخليج التي كانت من أكثر المتضررين من اتساع رقعة المواجهة.

ونرى أنّ الوقت قد حان لتبني مجموعة من التوجهات:

أولاً: تأمين جبهة داخلية متماسكة قائمة على الوحدة الوطنية والمواطنة الدستورية المتساوية وإطلاق الحريات العامة والمشاركة الشعبية في صنع القرار.

ثانياً: الاستناد إلى الروابط الحيوية وليس فقط الجيوسياسية التي تجمعنا بشعوب وبلدان الخليج العربية، ورفع مستوى التنسيق والتعاون بين دول الخليج في مختلف المجالات، خصوصاً الدفاع وخطوط الإمداد والأمن الغذائي والأمن المائي والمواصلات والتجارة البينية، وصولاً إلى جعل بلدان الخليج منطقة جمركية واقتصادية متكاملة.

ثالثاً: إطلاق مبادرات سياسية لإبرام معاهدة إقليمية لعدم الاعتداء وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والحفاظ على السلم والأمن في منطقة الخليج.

رابعاً: التوافق على استراتيجية دفاع وطني خليجية مستقلة معتمدة على الذات، وقائمة على تعبئة الطاقات الشعبية عبر التجنيد الإلزامي وتدريب قوات الاحتياط وتنويع مصادر التسليح، وإعادة النظر، على ضوء التجربة العملية الملموسة، في الوجود العسكري الأجنبي ومدى جدواه وما ينطوي عليه من مخاطر، وصولاً إلى تصفيته، وذلك بالترابط مع التحرك الجاد لبناء منظومة دفاع وأمن قومي عربية.

وفي هذا السياق، فإن من الضروري التنبه إلى أن الكيان الصهيوني سيظل الطرف الأكثر حرصاً على تخريب أي تفاهمات أو تسويات يمكن أن تقود إلى تهدئة مستقرة في المنطقة، لأن استراتيجيته القائمة على “الهروب إلى الأمام” تستند إلى توسيع دوائر الصراع وإدامة الحروب والأزمات للحفاظ على تفوقه وفرض وقائع جديدة بالقوة. ولذلك فإن مواجهة هذا الخطر تتطلب تنسيقاً إقليمياً واسعاً بين دول المنطقة وقواها الحية لردع السياسات العدوانية الصهيونية ومنع جر المنطقة إلى جولات جديدة من الحروب، انطلاقاً من رؤية مشتركة تدرك أن الكيان الصهيوني بات يمثل خطراً وجودياً على أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل شعوبها.

خامساً: التوافق خليجياً على الانضمام الكامل إلى مجموعتي بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والأمني ويؤسس لاندماج أكبر ضمن فضاء التعاون الآسيوي الصاعد.

سادساً: على ضوء التجربة الملموسة التي أثبتت، خصوصاً خلال إغلاق مضيق هرمز، مدى هشاشة الاعتماد على الريع النفطي كمورد شبه وحيد، فإن الحاجة باتت ملحة لوضع مشروع تنموي وطني بديل يستهدف بناء اقتصاد منتج ومتطور ومستقل، يعالج الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها البنية الاقتصادية الريعية التابعة، من خلال تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتوسع في الصناعات النفطية، ولا سيما التكرير والبتروكيماويات، وإقامة مشروعات تنموية مشتركة بين بلدان المنطقة.

سابعاً: الدفع نحو تأسيس نظام دولي جديد يقوم على أسس الاحترام المتبادل بين الدول والسيادة الوطنية والتضامن الأممي بين الشعوب، بما يرسخ مبادئ الندية والمساواة ويرفض الهيمنة والإملاءات والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

باختصار، لقد حان الوقت لتفكير استراتيجي جديد ينطلق من مصالحنا الوطنية والقومية، ويستوعب التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم، ويؤسس لسياسات أكثر استقلالاً وقدرة على حماية الأمن الوطني والقومي وصون مصالح شعوبنا في مرحلة دولية وإقليمية جديدة آخذة في التشكل.

الكويت في 18 يونيو 2026